الإعلان

إن انهيار البلد الذي يعاني الناس من أكلافه وويلاته بوتيرة متسارعة، حتى صار الجوع واقعاً والانتحار خياراً، ليس وليد قرار أو حصيلة شهر أو حتى سنة من الأخطاء والإرباكات، بل نتيجة لسياسات مارستها وتمارسها المنظومة الحاكمة بكل مكوّناتها وبقافلة حكوماتها المتتالية منذ عقود. أما وقد وصلت البلاد إلى ما أوصلتها إليه هذه المنظومة السياسية الجشعة والظالمة بحق الأجيال، وخصوصاً بعد الانفجار/ الجريمة في 4 آب الذي دلّ على تخلّي مؤسسات الدولة مثل وزارة الأشغال والمالية والجمارك والأجهزة الأمنية وغيرها عن أبسط مسؤولياتها، وعن عدم اكتراث المسؤولين عنها وكذلك المسؤولين عنهم، نرى، نحن المجتمعات والمجتمعين هنا-اليوم، أنه صار من واجبنا أن نتلاقى حول شعلة الأمل الوحيدة في هذه العتمة القاتمة، حول 17 تشرين وقيمها ونعمل لتأصيلها وتحصينها باعتبارها محطّة في مسار نضالي شعبي تراكمي ولتحويلها إلى مشهد سياسي دائم في المئوية الثانية من تاريخ الجمهورية.


قيم وتحوّلات

قبل 17 تشرين الأول

كانت السياسة شأن 6 أو 7 زعماء يفتون بإسم الطوائف بمصائر الناس وشؤونها. وأتت 17 تشرين لتوسّع قاعدة الناس المتدخّلين في الشأن العام ولتضيء شعلة الأمل حيث صار يُقال في العلن ما كان لا يقال إلا في السرّ. وهنا، تكمن مسؤوليّتنا كمواطنات ومواطنين في تقديم بديل مقنع وقادر على احتضاننا جميعاً شعباً واحداً متضامناً، وفي منع إعادة تشييد السجن الكبير الذي سيطر على الناس ومصائرهم خلال العقود الثلاثة الماضية.

قبل 17 تشرين الأول

كان البلد مقفلّاً. استولت الأحزاب المذهبيّة على المناطق منذ الحرب وتحاصصت القطاعات والنقابات بعدها، وأتت 17 تشرين لتكسّر هذه الأقفال ولتُسمع صوتَ المناطق المصادَر ومطالب القطاعات والمهن الصاعدة من الساحات العامّة. وهنا، تكمن مسؤوليّتنا المواطنيّة في المحافظة على هذه المساحات المستعادة وفي تحصينها وتوسيعها.

قبل 17 تشرين الأول

كنّا منقسمين إلى قبائل متناحرة، وأتت 17 تشرين لتكتب تاريخاً جديداً يوحّد ولا يقسّم، بل يفرز بين فئة ضيّقة تستفيد من النظام الظالم وأكثريّة الناس المتضرّرة منه. وهنا، تكمن مسؤوليّتنا المواطنيّة في التركيز على المصلحة العامّة الجامعة وفي منع الانحراف مجدّداً في اتجاه انقسامات بلا أفق.

قبل 17 تشرين الأول

كنّا نعيش في كازينو “الليرة بألف خير”، وفي مهرجان النظام المصرفي وعرّابه فوق كل الشبهات والمساءلة، وأن المشكلة ناتجة من الفساد حصراً. وأتت 17 تشرين لتؤكّد أن السياسات الخاطئة متواصلة منذ عقود، وقد أدّت إلى عجز بنيويّ في ميزان المدفوعات منذ عام 2011 نتج عنه هروب نقدي إلى الأمام أوصلنا إلى الانفجار المالي والاقتصادي والاجتماعي الذي نحن فيه. وظهر الفساد كما هو بالفعل، أي الوجه المتورّم لهذه المعادلة والسياسات المفلسة. وهنا، تكمن مسؤوليّتنا المواطنيّة في منع العودة إلى الحلول الفاشلة، وفي إبقاء العدالة الاجتماعية بوصلة خياراتنا وأولويّاتنا.

قبل 17 تشرين الأول

كان الخطاب الرائج مبعثراً وقائماً على المذهبيّة ومشتقّاتها. وأتت 17 تشرين لتعتمد لغة تعبّر عن وحدة الناس ومصالحهم المشتركة في مواجهة مكوّنات المنظومة السياسيّة كلّها. وهنا تكمن مسؤوليّتنا المواطنيّة في تجذير هذا الخطاب اللاطائفي والمحافظة على التنوّع الذي أنتجه، ومنع استغلاله من قوى صارت تدّعي المعارضة، وهي شاركت بما وصلنا إليه.


خطط وتحدّيات

تستمرّ المنظومة الحاكمة في تجبّرها وتجاهلها لوجع الناس وفي الانقضاض بكل وقاحة على مكتسبات 17 تشرين، ولذلك تُقْدِم على:

أ – استخدام القوة والعنف ضد الانتفاضة، إما بتحريك القوى الأمنية والقضاء لاعتقال منتفضات ومنتفضي الساحات ومحاكمتهم، وإما بالاعتداء والقمع بواسطة قوى الأمر الواقع.

ب – تحميل الناس كلفة الانهيار المالي والاقتصادي، واعتماد سياسة إعفاء تحالف سلطة المال وأحزاب الطوائف من تبعات النهب والخيارات الكارثية التي ارتكبها ويرتكبها.

ج- القبض على مفاصل الدولة، ومنع أي محاولة لتغيير أو حتى تعديل النظام الطائفي، عبر تعميم المحاصصة، وافتعال مواجهات طوائفية ودفع البلد إلى صدامات أهلية بين الناس، بهدف إعادة الغلبة والإمرة إلى مرجعيّات اللاشرعية الطائفية.

د – تسهيل استباحة السيادة اللبنانية وترك البلد ساحة مفتوحة لضغوطات القوى الإقليمية والدولية وتدخّلاتها في الصراعات الداخلية وضد المصلحة الوطنية.


إزاء تردّي الواقع الذي صار انهياراً وهذا الخصم المتعدّد الرؤوس والمستعد دائماً للجوء – موحّداً أو فرقاً – إلى أبشع  الأساليب، وأمام خطر زوال الوطن كياناً ودولةً ومجتمعاً، وها قد أعطى  الانفجار/ الجريمة في  4 آب نموذجاً عما يستطيع أن يعنيه الزوال، لا يسعنا نحن المجتمعات والمجتمعين هنا-اليوم، الواثقات والواثقين بأن التوافقات التي تجمعنا أوسع بكثير مما نختلف حوله، إلا تغليب المشترك بيننا، والاستعداد لمعالجة ما صار الناس يعانون منه وذلك من خلال:

أهداف  

أولاً، العمل سوياً في هذه المرحلة الانتقالية الحاسمة لصياغة برنامج يمثّل مصالح الشعب اللبناني مبني على حاجاته الآنيّة والمستقبلية وقائم على:

  • وقف تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبر خطة إنقاذية شاملة عادلة في توزيع الخسائر بين المتسبّبين في الانهيار والمستفيدين منه وضامنة للأمن الغذائي والسكني والصحي والتعليمي وودائع الناس،
  • تبنّي التغييرات السياسية والمجتمعية العميقة المطلوبة لتشقّ الطريق نحو دولة مدنية ديموقراطية حديثة، تصون الكرامة الإنسانية لكافة الفئات المهمّشة وتضمن المساواة.
  • تطبيق الموادّ الدستورية (و/ أو تعديلها حسب الأصول) مما يضمن فصل حقيقي للسلطات وإقرار قانون استقلالية القضاء كمدخل لإعادة بناء مؤسسات دولة المواطنة،
  • تكريس الدفاع عن الحريات العامة والخاصة وصيانتها مقابل دولة القمع والترهيب،
  • التحول إلى اقتصاد متوازن ومنتج وقائم على التنمية البيئية والمستدامة ويمنع تشكّل الاحتكارات ويؤمّن العدالة الاجتماعية،
  • التعاطي مع الخارج انطلاقاً من سيادة الدولة والمصلحة الوطنية العليا.

ثانياً، العمل سوياً، في القوى السياسية المعارضة وفي النقابات والقطاعات المهنية وفي المناطق والاغتراب، لتوفير الملتقى الديمقراطي الضروري والقادر على استقبال كل من أعادت إليه وإليها 17 تشرين الأمل.